Rania's profileAnia'sPhotosBlogLists Tools Help

Blog


    20 May

    مسعود المنحوس

     

    خرج مسعود إلى الشرفة و إقترب من شرفة جاره الجديد الساكن حديثا ثم أخذ يختلس النظر داخل الشقة. كانت تلك الكلبة المزعجة منهمكة فى قرض فراشها الوثير الذى كان مسعود دوما يصفه بأنه أغلى من حجرة نومه بأكملها.

    تعود مسعود على مراقبة جاره منذ ما يقرب من ستة أشهر الأن, فإذا تركنا له الحديث عنه  لقال, "ذلك الجار المعتوه, فهو يستيقظ صباحا ليداعب كلبته المدللة التى يدعون إنها من فصيلة نادرة الوجود, و هى تلاقى معاملة خاصة تليق بأميرة ذات مقام, فلا تأكل إلا طعاما خاصا يشتريه الجار المعتوه لها خصيصا من روما, و تغتسل بأدوات غريبة الهيئة و صابون ذو رائحة أخاذة و تذهب إلى طبيب متخصص حتى يقلم لها أظافرها الكريهة.

    أما نباتاته التى يقتنيها فى شرفته فهى لا مثيل لها, فهى و إن كانت تجمل شرفته فهى تلقى بالحشرات و الناموس على شقتى, و هو لسبب ما, دائما ما  يقنع زوجتى بأن الحشرات التى تهاجم شقتى سببها تلك "الكراكيب" كما يسميها المتناثرة فى شرفتى و التى سكن عليها أطنان من الغبار بسبب عدم إهتمام زوجتى, حتى إنها أصبحت تطالبنى بالتخلص منها و إستبدالها ببعض من النباتات الجميلة كالتى فى شرفة جارى المعتوه. أكاد أقسم بأنه ساحر يستطيع بألاعيبه التى لا تؤثر على أبدا فى إستمالة الأخرين حتى أن أبنائى أخذوا يطلبوننى بتحديث الشقة لتكون على طراز شقة ذلك الأحمق, و أخذ ذلك الصغير ذو الخمس سنوات يتوسل للحصول على هرة أو كلب صغير كالذى يقتنيه جارى..."

     

    كانت الساعة لا تزال السادسة إلا الربع مساء و لم يكن الجار ليعود من عمله الذى يجهل مسعود ماهيته قبل الثامنة, فأخذ يتفحص الشقة غير عابئا بنباح الكلبة المزعجة التى لاحظت هذا المتطفل و إهتمامه الزائد بها و بالشقة.

    فى ركن الشقة القريب لاحظ مسعود تلك الأريكة حمراء اللون الفاخرة التى تقابلها شاشة تلفاز ضخمة. تذكر مسعود حينئذا حينما خرج للذهاب إلى عمله مبكرا وأراد أن يساعده حارس العقار فى دفع سيارته خارج الجراج و حتى أن يدور المحرك, فطرق باب حجرته الصغيرة ولاحظ وجود أريكة جميلة زرقاء اللون داخل الحجرة

    يقابلها تلفاز يبدو و كأنه جديد. فلقد إشترى الجار أريكة جديدة و تلفاز ذو شاشة كبيرة يستطيع أن يشاهد فيها فرس النهر بحجمه الطبيعى و بالطبع إستطاع إستمالة حارس العقار بإعطائه أريكته و تلفازه القديمين حتى إنه الأن يهتم بسيارته الفارهة إهتماما ملحوظا.

     ذلك الرجل الأحمق, فهو دائما ما ينفق نقودا فى تلك التفاهات التى يستطيع قطعا العيش بدونها, ألا يعلم أن أطفال الصومال لا يجدون لقمة العيش, و أن أن المرؤ يقف بالساعات للحصول على الرغيف المدعم, و أن مشكلة الصرف الصحى لاتزال قائمة, و أن درجة السلم لاتزال تهدد مسعود كلما نسى أمرها كل صباح, و أن صنبور المياه فى الحمام لايزال يصدر ذلك الصرير المزعج مهددا بالإنفجار فى أي لحظة!

     

    توقفت الكلبة عن النباح فجأة و إتجهت نحو باب الشقة حيث فتح الجار الباب و أخذ كعادته يدلل كلبته العزيزة. إختفى مسعود بسرعة داخل شرفته إلا إنه أخذ يسترق السمع إلى حديث جاره مع كلبته, "تعالى يا حبيبتى, موعد الطعام, لقد أحضرت لك أكلتك المفضلة فهى بمناسبة عيد ميلادك يا حبيبتى, كل عام و أنت بخير..."

    جن جنون مسعود و هو يستمع إلى جاره و أخذ يفكر كيف أن لتلك الكلبة القميئة عيد ميلاد يتذكره صاحبها و يأتى لها بأكلتها المفضلة فيه. قاطع تفكير مسعود صوت زوجته و هى تناديه "هيا يا مسعود, موعد العشاء, فلقد أعددت لك أكلتك المفضلة و كعكة الفاكهة التى تحبها, إنها بمناسبة عيد ميلادك يا مسعود, كل عام و أنت بخير...".